المسرح في أدرار (نحن باقون هنا)

إن الدارس لأحوال الشعوب عبر التاريخ، يجد المسرح حاضرا عندهم سواءً على مستوى الفرد أو الجماعات، حيث يعد نقطة انطلاق الشرارة نحو الثقافة والتطور والمساعد في رقي المجتمعات نحو الأفضل، وإذا كان الشعر ديوان العرب لتأريخه لكل المحطات المهمة في حياتهم، فإن المسرح هو مرآة الشعوب، التي تعكس لنا ثقافتهم وفكرهم وعاداتهم وتقاليدهم.
ولما هذا الأخير من متعة وموهبة وفرجة، نجد الشباب يهرعون إليه، بل نبغوا فيه وأضافوا إليه شيئا من الموهبة والإبداع، وشباب ولاية أدرار على غرار شباب الجزائر المسرحيين أرادوا بدورهم أن يشاركوا في كتابة تاريخ المسرح ولو في منطقة جغرافية صحراوية لا تمتلك مسرحا جهويا يرقي بطموحهم ويحقق له بعضا من الأمل المباح، ومع ذلك حاول بعض المثقفين الغيورين على المسرح عندنا إشعال الشموع بدل لعن الظلام، تجلى في عديد الجمعيات الفنية والدرامية التي أَثْرت الساحة المسرحية بالولاية من خلال أوبيرات والمونوداما والتمثيل، وكذا المشاركات الوطنية والدولية، وقد شهد بعضها نجاحا وتميزا على مستوى الفردي والجماعي، ومن بين هذه الجمعيات الفاعلة في ميدان الفن الرابع، الجمعية الثقافية للفنون الدرامية التي تنشط بدار الثقافة ويترأسها الأستاذ حدادي بطاقم شباني مجتهد، حيث ما فتأت تسعى لصقل المواهب المسرحية الفتية، والرقي بخشبة المسرح المحلي إلى الاحترافية والأضواء، من خلال مهرجان النخلة الذهبية الذي ظل صامدا تِسع سنوات بطباعاته الوطنية والمغاربية،كما يعتبر فضاءً فسيحا يحوي ثلة من الأساتذة والدكاترة المتخصصين في شؤون أبي الفنون، يعقدون فيه الندوات وورشات تكوينية للمشاركين، وبعدها تدعمت الولاية بجمعيات أخرى كان لها نفس النظرة والهدف، ألا وهو نفض الغبار عن بساط المسرح الأدراري، ودعم المبتدئين فيه، فانبرت لهذا جمعية أسود الخشبة للفنون الدرامية بقيادة الشاب المتفاني الأستاذ عبد النور فران ، إذ أنه أراد من خلال المهرجان الولائي للفرجة والضحك في طبعتيه، تسليط الضوء على صقل المواهب المحلية، من خلال ورشات تدريبية وعروض تنافسية أبطالها شباب في مقتبل العمر، يبشرون بمستقبل  متفائل في قادم السنوات، أضف إليها جمعية فرسان الركح من صالت وجالت في عديد الركوح داخل وخارج الوطن، كما كانت لها مشاركات مشرفة في عديد ولايات الجزائر، كذلك نجد جمعية الفنون الدرامية، وغيرها من الجمعيات المسرحيات الناشطة على مستوى تراب الولاية بأقاليمها الأربع التي تعِد بفجر باسم.
أما على مستوى الأفراد صناع الحدث المسرحي، من شقوا طريقهم بعاصمتيهم وعزم لا يلين وذهبوا به إلى العالمية، ومثال ذلك ذكرا لاحصرا الفنان (عقباوي الشيخ)، سفير أدرار في عالم المسرح، هذا من خلال عروضه التي قدمها في دولة الصين وأرمينيا والمغرب والسودان واليونان والكويت، وغيرها من الدول ولم يكن تمثيله شرفيا، بل إنجازا وتحديا، كيف لا وقد افتك جائزة أحسن نص في المغرب بعنوان (الجدار) وأحسن اخراج بالخرطوم، وأحسن عرض في مهرجان المسرح الأمازيغي بباتنة، هذا مع العديد التتويجات والتشجيعات من لدن رواد المسرح الرسوخ، ولم يكن عقباوي الشيخ وحيدا في ميدان الثناء المسرحي، إذ برز شاب آخر للميدان ، إنه ابن 32 سنة (شادي العيد) الممثل والكاتب المسرحي، إكسير من الإقدام والإصرار، والمشاهد لفعاليات المسرح في أدرار، لايمكن أن يغض النظر عن براعة هذا الشاب في تقمص الأدوار والانتقال فيما بينها بسلاسة ومهارة وتركيز دقيق، ظهر هذا في نيله عديد المراتب المشرفة في مشاركاته الجزائرية والعربية، سيما الألقاب الفردية، فهو الحائز على أفضل أداء رجالي لمسرحية (صهد) بالأيام الوطنية لمسرح الواحات بورقلة ، وبالمهرجان العربي للفنون الدرامية بأغادير المغرب، وجائزة أحسن نص مسرحي (على الهامش ) في المهرجان الدولي للمسرح نون والفنون بنفس البلد، ناهيك عند عديد المشاركات الوطنية بسكيكدة وميلة والعاصمة والمسيلة …الخ، وقس على ذلك عديد الأسماء الواعدة إلى جانبه، على غرار، ( كوكي شعيب، راواحي عبد القادر، خيراني عبد القادر، عبد النور…الخ) وغيرهم كثير ممن لا يتسع هذا المقال لذكرهم، كما أن المسرح عندنا ليس حكرا على الرجال فقط، بل وصلت عدوى التميز فيه إلى الفتيات بل وحجزن لأنفسهن حيزا تنافسيا، سيما وأننا في منطقة محافظة جدا، ترى بروز الفتاة على مسرح شيئا من المحظور، ومن أمثالهن  الممثلة ( ميموني سهيلة) التي انتزعت ذات مساء بولاية مستغانم جائزة أحسن أداء نسائي في مهرجان الهواة في طبعته 50 بشهادة  القاصي والداني، ونجد أيضا (سرقمة مبروكة) ممثلة تستحق كل التقدير، والأيام القادمة كافية للكشف عن معدنها وموهبتها المستمرة في النمو والعطاء، هذا والحديث عن المسرح النسائي في أدرار لا يمكن أن يمر بغير ذكر أوائلهن مما صعدنا الركح في الزمن المبكر أمثال السيدة (فاطمة هواري) وغيرها ممن غيبهن الزمن والإعلام.
كما أنا المتتبع لكرونولوجيا المسرح في الولاية سيمر بنخبة من  ممثلين الفاعلين، من خدموا المسرح  وقدموا له الكثير  في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وربما كانوا باكورة لما تشهده الساحة المسرحية من صحوة في الآونة الأخيرة، نذكر منهم مثالا لاحصرا ، بولغيتي محمد-رحمه الله- الذي واصل مسيرته ابنه نور الدين، الأستاذ عز الدين قسوم،  عبد الله زجناوي، جعفر بوزان، والكاتب المسرحي حنين لحسن_رحمه الله_، ومازال عطاء الأحياء منهم متواصلا، توجيها وخبرة وتجربة. ومع هذه الثورة الفنية المسرحية الشبانية، من جمعيات متحمسة تنافح عن معشوقها الأول، تظل الأبواب موصدة في وجوههم، بغياب الدعم والتمويل والاهتمام من طرف السلطات المحلية، وربما حتى على مستوى وزارة الثقافة في الجزائر المعجزات والغرائب، حيث تقام أيام مسرح الجنوب بالعاصمة، أيام تحمل اسم الجنوب وتقام فعالياتها في الشمال..!؟، إضافة إلى غياب مهرجان مسرحي قارٍّ سنوي مكفول من طرف الوزارة الوصية، وكذا عدم تواجد مسرح جهوي يكون حاضنا لصفوة من الممثلين الشباب، حيث أن أقرب مسرح جهوي يبعد عن أدرار قرابة  1200 كلم، هذا بغياب توفير النقل للمشاركين في الاستحقاقات الوطنية، وربما يتحصلون عليه بشق الأنفس، ناهيك عن التهميش الإعلامي المكرّس بقصد أو بغير قصد، وما زاد الطين بلة، غياب تخصص المسرح في جامعة أدرار.
واقع متأزم يصطدم به كل  طامح هاوٍ لأبي فنون، تغيب الحلول حقا، لكن شباب المسرح عندنا لديهم من الرغبة والقوة ما يستطيعون  به قلب الموازين وترجيح الكفة لصالحهم، ببذل جهد مضاعف وتكتل فيما بين الفرق المسرحية، والمضي قدما وعدم الرجوع إلى الخلف، وتكريس مبدأ ثقافة البقاء وأمل الصمود إلى النهاية، فالمسرح في أدرار يعقد آماله عليكم فكونوا له خير معين، فأنتم باقون هنــــــــــــــــــــا.

شارك
اشتراك
نبّهني عن
guest
1 تعليق
الأحدث
الأقدم الأكثر تصويتاً
التقييمات المضمنة
رؤية جميع التعليقات
عبد الرحمن
عبد الرحمن
1 سنة

فضاء إعلامي يتيح للشباب المبدع فرصة ليكشف عن امكاناته، وقد سمح لي شخصيا بالتعرف على أقلام واعدة لو وجدة التشجيع والمرافقة الجادة والتكفل من الجهات المعنية، وقد اكتشفت من كتابات الشباب المبدع قوة اقتراحية ورؤية استشرافية لكثير من القضاية، يمكن الاستفادة منها في وضع خريطة طريق تسمح بتنمية هذه الجوانب، شكرا لمن فكر ومن جسد ومن يسهر على هذا المشروع، ان شاء الله اكون في ميزان حسناتهم.