وحي الكتابة

همّ صاحبنا الكنتي قاصداً فراشه لينام ،ثم بعد أن أوى إلى فراشه كعادته ؛وكان قبل برهة قصيرة قد أطفا الأنوار ليتم ليلته السعيدة ، ما فتىء أنس ليأنس في نومه وراحته سيّما وهو قبل سويعات مقبل من عمل شاق قصم ظهر المسكين؛ ليتفاجأ بإحساس غريب وشعور لم يألفه على غير عادته، كأنّ الملائكة قد هبطت تحمل سحابة رقيقة تمسح بها على قلبه لينتضر من يبس، ويرقَّ من غلظة كأنما جاءوه مع الفجر ليتناول النهار من أيديهم مبدوءا بالرحمة منفتحا بالجمال.

استحضر صاحبنا ما يحفظ من أقوال وأدعية تزيل عنه ابهام تلك اللحظات الحالكة وتخفف عنه قليلا ثم قام بعدها ليشعل ضوء الغرفة ليأخذ رشفات من الماء حتى يهدأ باله، ثم أمسك بقلم كان قد وضعه على طاولة مجاورة لسريره وعلى الأرجح يكون قد نسيه وسط صفحة من احدى الكتب التي طالعها لئلا تصير مهملة ويضيق بها ذرعا، ثم اخذ ورقة كانت بمحاذاة ذلك الذي يوسمونه بخير جليس في الانام، للوهلة الأولى تمتم ببعض التساؤلات: أهو وحي أم ما يكون هذا الشعور؟ أتبعه بلفظة حاشا وفي عرفه أن الوحي مقاس على الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم؟ أحلم عابر يراودني ام ما نسميه في العامية ب(( الشقيقة)) عفانا الله واياكم منها ؟ يا إلهي ما ذاك الشعور؟ اخذ الشاب نفسا عميقاً بعدها ثم تحضر لذهنه فكرة من ذلك الكتاب الذي كان قد وضع في صفحة من صفحاته القلم ؛ لربما تكون الدواء الشافي لعلته التي أثارت استفهامه( ؟؟؟)….الخ نطق بالقول قائلا:’ من حول كل انسان هدوء قلبه وقد استبهمت الأشياء في نظر العين ليلبسها الإحساس الروحاني في النفس، فيخلق فيه الجمال الشعري كما يخلق للنظر المتخيل”، خلق شعور باقتراب بلوغه الوصول لمبتغاه الذي رمى إليه والذي باخع نفسه من أجل معرفته، لكنه ظل حبيس التفكير كالذي يمتلك الإجابة متشكّكا من صحتها أو مترددا في النطق بها مخافة أن تكون غالطة، ثم قال : لا بأس.

شرع بعد ذلك في تقليب أوراق مفكرته مرة تانية لذات يوم كان قد قرأ قولاً للفرزدق من احدى المصادر التي عكف على متابعتها والتردد عليها ؛ يقول فيه: يمر علي زمان وقلع ضرس من أضراسي أهون علي من أن أقول بيتا واحدا” ، وأخيرا وبعد طول انتظار، ومشقة استشار في طرحه لعديد الفرضيات التي أرهقت مخه السلامة له، ابتسمت في وجهه الإجابة وقطع شكه باليقين بعدما ارتسمت حروف مرضه فتراه ضحوك السنّ، وبسّام المحيّا من فيض ما وصل إليه ، غَّرد جهرا وبصوت مرتفع كمن سجَّل هدف الفوز لفريقه ” الإلهام” ” الإلهام” دون سواه، ليتفرغ بعدها لأخذ قسط من الراحة ليوثق ما فات عليه وما ظنه كابوساً خلخل مخيلته لتأكده انها لحظة مثالية قد لا تتوفر غالباً وجديرة بتحرير ما استشعره؛ وهي كذلك مادام الإلهام في جوهر تعريفه قد بُرهن فيه على ذلك.

الشاهد في هذا يصعب على المرء استحضار الفكرة فليست كل الظروف تصلح لحضورها فهي ولادة فكرة. لقلوبكم الإلهام والأمان دائما.

شارك
اشتراك
نبّهني عن
guest
6 تعليقات
الأحدث
الأقدم الأكثر تصويتاً
التقييمات المضمنة
رؤية جميع التعليقات
ضيف
ضيف
3 شهور

كل التوفيق أرجوه لك ❤️

ضيف
ضيف
3 شهور

انس يكتب في العمق. له الفاظ بديعة. موفق اخي انس

ضيف
ضيف
رد على  أنس معطا الله
3 شهور

كل الشكر لك دام عطائك