تمتلك موهبة الكتابة ؟ انضم إلى مدونينا في أقلام توات

أدرار الجمعيات

تحصي ولاية أدرار من حيث تعداد الجمعيات، ما يزيد عن ألفي جمعية تتنشر عبر القصور والبلديات والدوائر باختلاف مسمياتها وتخصصاتها وشعاراتها وتوجهاتها، هذا ما جعلها ضمن الولايات الأوائل التي تشهد نشاطا بارزا وتأسيسا جمعويا في تزايد، سيما في الآونة الأخيرة من خلال إشادة السيد رئيس الجمهورية بالمجتمع المدني في جل لقاءاته، وتوصياته بفتح الأبواب للجمعيات  وتسهيل ملف اعتمادها من طرف الجهات الوصية، وإشراكها في معادلة التنمية وصناعة القرار تجسيدا لمبدأ الديقراطية التشاركية، وإثراء للمخطط الوطني للشباب الذي تبنته وزارة الشباب والرياضة من خلال تتظيم عدة لقاءات حوارية تشاورية مع الجمعيات الشبانية عبر ربوع الوطن، أضافة إلى استحداث منصب مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالحركة الجمعوية، والذي بدوره يعمل جاهدا على نقل انشغالات الجمعيات وحلحلتها، وصولا بها عند القاضي الأول في البلاد.

واليوم وما تعيشه أدرار من هذه الهبة الجمعوية الشبانية، في هذا الظرف الحساس ولقاءاتها مع والي ولاية مباشرة، بادرة خير تبشر بشيء من النضج وكسرا للممارسات التعسفية السابقة، غير أن الحماس الزائد وحده لايكفي، والعدد الهائل دون جودة أو تأطير وتكوين وقراءة للواقع سيتوقف عند منتصف الطريق ولن يملك بعدها نَفسا للاستمرار أو الوصول، فلطالما كان التنديد في جل المنابر الجمعوية بضرورة التكوين المكثف للنشطاء الجمعويين، وإتقان فن المرافعة والإقناع وكسب التأييد، بعيدا عن الفوضوية والفضفضة في الكلام من أجل الكلام، أو الحضور الباهت الذي يشبه العدم، كما أن الاستعجال والتسرع سمة بدأت تطفو فوق السطح، جميل جدا أن تبدأ نضالك بنشاط قوي واجتماعات مرثونية دورية وزيارات ميدانية، لكن عليك أن تدرك جيدا أن العمل الجمعوي مشوار طويل وكفاح متواصل وليس آنيا أو ظرفيا، فلا بد إذن من الأناة وتقسيم الجهود برفق ورسم خطط ذكية بلا تَكَلُّف، وقد جاء في الأثر (الــمُنْبَتُّ لا أرضا قطع ولا دهرا أبقى) وهذا هو وجه الحكمة، كما أن واقع بعض الجمعيات عندنا مازال محصورا على مجموعة من النشاطات المجرورة والمكرورة على غرار حملات النظافة وتوزيع القفف ومطاعم الرحمة الرمضانية، ولو أن سعيها هذا مشكور مأجور، غير أن حقيقة العمل الجمعوي المحترف المنظم أكبر من أن يُحْجَر فيما سبق ذكره، ومنه يمكننا رصد بعض من هذا العدد المهول  من الجمعيات في ولاية أدرار، ووضعها تحت المجهر  ومسطرة النقد البَنّاء دونما مبالغة أو تحيز لفئة معينة وهي كالآتي:

الجمعيات الوطنية ذات البعد التاريخي وذات طابع المنفعة العامة والتعداد الشباني الثري، حيث تجد لها قبولا وطنيا وإقبالا جماهيريا من لَدُن الجميع.

جمعيات ذات تخصص مبين جَلِي المعالم ، تسعى دائما للتميز فيه ولاتغادره أبدا إلى تخصص غيره.

جمعيات تمتاز بالواقعية وتنشط حسب مقدرتها، وشعارهم لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

جمعيات المناسباتية، تظهر في المناسبات وتحتفي بها، وبعدها تختفي لغاية الإشعار عن مناسبة أخرى.

جمعيات تُختزل في شخص رئيس الجمعية، فهو الكاتب وأمين المال والنائب والمشرف…الخ، وبغيابه تغيب جمعيته فلا تسمع لها ركزا.

جمعيات تستعجل قطف الثمار، وتسعى للتموقع في أقرب وقت وفرصة دون صبر أو مشورة، فهذه تحمل في طياتها بذور فنائها.

جمعيات البروتوكولات والبرستيج، همها الوحيد (الكوستيم) وتغير لون ربطة العنق في كل فرصة سانحة، وحضور اللقاءات مع المسؤولين، والتقاط السيلفي وكثرة العناق وتكريمات المجاملة.

جمعيات الفايسبوك، تنطلق منه وتنتهي عنده، وتصنع من نشاط بسيط حدثا منفوخا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بغية جمع أكبر عدد من الإعجابات والمشاركات، غير أنها في الحياة الواقعية أوهن من بيت العنكبوت.

الجمعيات ذات العلاقات القوية والنفوذ والإمكانيات المادية والمعنوية، وهذا ما يمكنها من فرض وجودها، رغم قلة الخبرة والكفاءة.

جمعيات المصالح الشخصية وحب الظهور، واستغلال العمل الجمعوي للوصول إلى حاجة في نفس يعقوب، ومثيلاتها جمعيات الولاءات للأشخاص حتى ولو كان هذا على حساب المبادئ والقيم.

الجمعيات ذات النشاط الواحد الموسمي المتميز، فهي تكتفي بنشاط واحد سنوي احترافي مبدع، تسخر فيه كل الجهود المتاحة، ليظل شفيعا لها العام كله.

جمعيات تعمل في صمت، بعيدا عن الأضواء والإعلام، همها الوحيد التركيز على ماتريد وتحقيق المبتغى دون ضجيج.

الجمعيات المنتجة ذات الدخل والمؤسساتية، تمول نفسها بنفسها دون الاقتصار على إعانات الدولة والمحسنين، غير أن هذا النوع نادر جدا.

الجمعيات الخاملة التي لاتحرك ساكنا، همها المراقبة وكثرة الظنون وتغذية الإشاعات دون تثبت، ويأخذهم كل تيار ويركبون كل موجة، وفي الأخير  يحسبون كل صيحة عليهم.

الجمعيات الأخطبوط وهي التي يجتمع فيها ما تفرق في غيرها، فتراها في الثقافة والنقابة والطفولة والسياسة والسياحة والرياضة…إلخ، تخبط خبط عشواء بجعجعة كثيرة، قليلة الطحين.

هذا الاختلاف والتباين يُعد ظاهرة صحية في عُرف البشر ونواميس الحياة، قد تختلف الطرق وتتنوع الوسائل والآليات، لكن الأهم هو وحدة الهدف بعيدا عن الوساوس والقراءات الظنية السلبية والسباق المشحون، إذ أن القمة تتسع للجميع وكلٌّ منا يُساق إلى قدره، كما أن الكفاءة والإخلاص هما معيار كل مبادرة تهدف للبناء وصناعة القرار والتغيير نحو الأفضل، وبمقدار وعي المجتمع المدني ويقظته لما يُراد منه، تكون قيمة النتائج النوعية المُتوصل إليها، كما أن تفعيل آلية التفكير خارج الصندوق مطلب لابد من تكريسه، حيث أنّ تقديم النخب القيادية الشبانية  المُؤَطرة لتولي المناصب العليا في البلاد رهان ملقى على كاهل الجمعيات اليوم، عطفا على السعي إلى أخلقة العمل السياسي بتقديم البديل النافع  والنزيه، هذا بقوة الطرح والقدرة على تَحَمُّل المسؤولية، لنكون بهذا الشريك الإستراتيجي الأنسب في التنمية والرقم الصعب في معادلة الجزائر ا لجديدة المنشودة.

 

شارك المقال ♥
الصورة الافتراضية
محمد مبروكي
كاتب مهتم بالشأن المحلي

2 تعليقان

  1. أخي محمد مشكور على المقال الذي شفى غليل الروح المتحسرة على واقع جمعوي بعيد كل البعد عن الأمانة التي كلف بها لبناء الجزائر الجديدة التي اعتبر نفسي وأعدها بأن أكون لبنة راصة لكل ما تبقى من دار لقمان .

اترك ردّاً