تمتلك موهبة الكتابة ؟ انضم إلى مدونينا في أقلام توات

لحظة من فضلك…

لاشيء يأتي من الفراغ ، ولا دخان بلا نار ، هكذا سمعت و هكذا عَلِمت ، فالدارس لأحوال الورى ودنيا الشعوب، سيقف عند محطات ومنعطفات ذكية، فلكل أمة رمزها الأزلي وسلطانها المبجل، ولكل شعب بطل قومي يلهمه ويبعث فيه شحنات الإصرار والتصميم في حضرة اليأس والإنكسار، ولكل فرد قدوته ومثاله البراق المفدّى.
وإننا حينما نقلب تاريخ الأنسانية نجد كوكبة ممتدة من الملهمين وصناع الحدث الذين تَفخر بهم البقاع التي ولدو فيها، ومن بين هؤلاء الـــمُــثُل ذكرا لا حصرا، الكاتبة الأديبة والمحاضرة والناشطة أمريكية (هيلين كيلر) التي تحدت إعاقة الصمم والتوحد والعجز عن الكلام فنالت شهادة الدكتوراه باستحقاق، لتصبح بذلك من أعظم النساء الناجحين في التاريخ،   الإعلامية الشهيرة (أوبر وينفري)المصنفة من أغنى الإعلاميات في العالم، وهذا بعد طفولة مشردة وعنصرية واغتصاب في سن مبكرة من طرف أحد المقربين إليها انتهى بالالتهاب في الرحم، مما أذى إلى إصابتها بالعُقم وعدم الانجاب ، ومع ذلك حافظت على حلمها إلى آخر رمق، لتصير بعدها من أشهر النساء الإعلاميات المؤثرات في المعمورة، العبقري(مهاتهما غاندي) صاحب الخبرة والسماحة والثورة السلمية المبنية على شعار ” لا للعنف لا للحرب”  التي أخرج بها الاستعمار البريطاني من بلاد الهند، دون حمل للرشاش والبندقية، لينصب نفسه بهذا العمل الإنساني أبا روحيا لبلاد بوذا قاطبة تتغنى به القارة الصفراء كلها، كذلك الراهبة ذات الأصول الألبانية والحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 1979م أم الأرامل والأيتام (تريزا)  التي سَخَّرت دينها وديدنها لخدمة الأطفال المشردين في العالم، الرسام الهولندي (فنسنت فان خوخ) الذي اشتهرت لوحاته  وبيعت بأغلى الأسعار في المتاحف العالمية وهذا بعدما ما توفي في سن السابعة والثلاثين كَمَداً واكتئابا لعزوف الفنانين عن رسوماته وفنه في بدايته الأولى في سن السابعة والعشرين، الموسيقار الأصم (بيتهوفن) ملحن السفونية التاسعة التي أدهشت أرباب الموسيقى وأفذاذها إلى اليوم، بموسيقاه العالمية النابعة من شخص فاقد لحاسة السمع التي تُعد أمر مُهِمًّا عند كل من يهوى الغناء والعزف والتلحين، العم (نلسون ماندليلا) أعجوبة الصمود والبطل الرمز في إفريقيا والعالم وأول رئيس أسود لجنوب إفريقيا بعدما أن تعرض للعنصرية والسجن لمدة 25 سنة ندد فيها بالحرية لشعبه والعدل والمساواة،  أسطورة الملاكمة محمد علي كلاي الرجل المسلم، الذي أعطى للرياضة بعداً تجاوز الثروة والشهرة إلى القدوة والأخلاق والدعوة، الأستاذ المفكر (إبراهيم الفقي) رحمه الله رائد التنمية البشرية في العالم ، الذي بدأ من نادل يغسل الصحون،ليصبح بعدها أول رجل عربي يدير أكبر فندق في كندا،  وغيرهم من عظماء هذا العصر ورواد المعجزات، الذين كان لسيرتهم أثر بارز في مسار حياة الكثير من البشر، فأنت حينما تقرأ حياة هؤلاء ستندهش طويلا  وتتوقف عدة لحظات متأملا في أناس كسروا معادلة المستحيل واللاممكن من الوجود، فكل شيء ممكن عندهم  وكل شيء قابل للتحقق وكل شيء يُستطاع  مهما طال الزمن أو قصر، فالخالق  _سبحانه_وهب لعبادة قوة مطلقة تتسع باتساع هاته البسيطة المترامية الأطراف، فلا بداية ولا نهاية ،فالجنس البشري  هو الوحيد الذي سُخرت له كل نواميس الكون ومجرات الفضاء، التي نُعد في حقلها كالذرّة لا تراها العين المجردة، فالانسان مملوء بالطاقات  والمواهب والعطايا والمِنَح ، فلكل منا شيء يميزه عن الآخر،  لكل منا قُدرة مبدعة تقطن في تلك الخلايا المحكمة الصنع، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، كم من إنسان أطلق الجوهر المكنون في داخله..؟ ، وكم من الخلق عاشوا طويلا و ماتوا ولم  يدركوا هاته الحقيقة العصماء الربانية…؟ ، وكم … وكم …؟
إن الحياة حينما تقسم الجوائز على أهلها تكون عادلة في أغلب الحالات، حتى إن لم نلاحظها بأبصارنا المحدودة، ربما قد نسعى طويلا لهدف ما، و نبذل فيها كل الأمل و الجهد المتاح، ومع ذلك يأتيك الصدى صارخا يحمل معه الألم والفراغ الموحش، وتضيق عليك نفسك  والأرض بما رحبت،   و قد تبكي طويلا في الظل، أو تُخفيه تحت ابتسامة مصطنعة تحمل داخلها فيضا من الإحباط، لكن تجدني في هذا مقام أسلِّي خاطرك المفجوع بما قاله الكاتب الأمريكي “روبن شارما” في كتابه الذائع    ( دليل العظمة) إذ يقول: “إن الحياة عادلة في الأخير…ثق بهذا..” ، ولكن من منا يمكنه أن يصبر   و يقطع نَفَسَه إلى تلك المحطة الأخيرة، مؤمنا بالخاتمة المضيئة، وفي كتاب الله نجد هذه الآية التي لو قرأها ذلك الكاتب الأمريكي لكفته هو ومن معه من بني جنسه، إذ يقول جلّ في علاه ( إنَّ الله لايضيع أَجْرَ مَنْ أحسن عملا) فلكل مجتهد نصيب، قاعد أزلية عاشها لأجلها الكثير ومات لأجلها الكثير، والكيِّس الأريب هو من اتعظ بغيره.

إن التاريخ عندما يحتفل بنوابغ الوجود، سوف يدعوا له مجموعة من الأشخاص الذين لا يَقِلّون أهمية عن المحُتفى بهم،  فأرجوا أن تكون أنت أو أنا منهم ، لا لشيء إلا لأني قرأت سطراً  للراحل  الشاعر محمود درويش، كتبه في لحظة أمل منه، “ولن نتوب على أحلامنا… مهما تكرر انكسارها” .

مبروكي محمد

شارك المقال ♥
الصورة الافتراضية
محمد مبروكي
كاتب مهتم بالشأن المحلي

اترك ردّاً