تمتلك موهبة الكتابة ؟ انضم إلى مدونينا في أقلام توات

ولمخطوطات توات رجالها

تعتبر ولاية أدرار بأقاليمها الأربع (توات_ قورارة_تيدكلت_تنزروفت) خزّانا كبيرا للمخطوط، نظرا للاكتظاظ قصورها ومداشرها بمجموعة ثرية من خزائن المخطوط بلغت 51  خزانة غنية بــــــــــ  27000مخطوط باختلاف فنونه وأفنانه، ويعود أول مخطوط في المنطقة إلى القرن السابع الهجري  حسب بعض الدراسات الأنتروبولوجية والتاريخية، كما تتكفل أُسَر سَخَّرها القَدَر لحماية هذا الإرث التاريخي العلمي وصونه أمدا طويلا من تأويل الغالين، وانتحال المبطلين وتحريف الجاهلين، غير أن المخطوطات لم تسلم من مطرقة الإهتراء وسندان عاديات الدهر، ما أدى إلى إتلافها بما حملت من نفائس العلوم ودُرَر الآداب، وهذا عائد إلى تكديسها في الصناديق وربما دفنها تحت الأرض، حيث كان يلجأ إلى هذا بعض أرباب الخزائن خوفا عليها من الاستعمار الذي يسرقها حينا ويحرقها حينا آخرى، فتقلص عددها بعد هذه العوامل  كلها إلى ما يقارب  3000مخطوط.
ومع بزوغ فجر الفتح والحرية، عادت الخزائن إلى نشاطها بوتيرة ضعيفة جدا، تمثّل في حفظها دون بحث أو تحقيق، ولعل ملتقى الشيخ عبد الكريم المغيلي الدولي  الذي احتضنته ولاية أدرار سنة 1985م من القرن الماضي ،كان الشرارة التي انتقل منها المخطوط التواتي من الروفوف والغبار، إلى البحث والدراسة والاستثمار،  إذ أنّ هذا الملتقى كان بذرة خير في الولاية،حيث نتج عنه تأسيس أول معهد إسلامي بالولاية، ليصبح بعدها  منارة علمية وطنية وإفريقية، ألا وهي جامعة أحمد دراية بأدرار التي دشنها ذات صباح من سنة 2004م رئيس الجزائر الأسبق عبد العزيز بوتفليقة، وبعدها تم تأسيس المركز الوطني للمخطوط، وبهذا تنفس المخطوط عندنا الصعداء، وهرع الطلبة يتسابقون بأمر من أساتذتهم لاسيما المقبلون على التخرج إلى تحقيق المخطوطات لما فيها من الصعوبة والتمحيص من خلال مذكراتهم، خاصة الماجستير والدكتوراه، هذا بين مُكِرّ ومُفر ومقبل ومدبر على خزائن المخطوطات التي فتحت الباب على مصرعيه لكل باحث من داخل الوطن وخارجه، ولكن بعض الباحثين  _سامحهم الله _أستغلوا طيبة أرباب الخزائن هذه، وأخذوا منهم بعض المخطوطات النادرة لدراستها وتحقيقها وقد قطعوا وعدا لإعادتها حتى يضطلع عليها الباحثون من بعدهم، إلا أنهم ما عادوا ولا عاد المخطوط إلى اليوم بشهادة أحد أرباب هذه الخزائن، هذا مادفعهم إلى التعامل بالحذر والصرامة الشديدة مع البحثة بعد ذاك.
واستمرت ثورة النبش عن المخطوط وفهرسته، فتولّد عن هذا بروز عدة مختصين في ميدان التحقيق وإعادة إخراج المخطوط بطريقة منقحة عصرية واضحة الحروف وسهلة القراءة  متاحة للجميع، وانبرى لهذا العمل المضني العظيم، أحد أبناء توات الجهابذة وأيقوناتها المخلصين الرسوخ، من تحملوا مشقة رسم خطة ممنهجة واضحة المعالم للتعريف بالإرث الثقافي والثرات العلمي وحمله إلى العالمية باقتدار، بتأسيس مخبر المخطوطات الجزائرية في إفريقيا مع ثلة من الأساتذة المجيدين النبوغ، إنه البروفسور أحمد جعفري _أستاذ بجامعة أدرار_ الذي يُعد بقية مما ترك الشيخ الباي بلعالم رحمه الله، والباحث الراحل الإنتربولوجي  مولود معمري وغيره من العمالقة الأفذاذ، فعَمد إلى إقامة ملتقيات دولية تدور حول المخطوط تصنيفا وتأليفا وفهرسة ورجالا،  ودعى لها  دكاترة  متضلعين من القارات السبع ولو أن البعد الإفريقي كان ظاهرا  نظرا للامتداد الطبيعي الذي يربط منطقة توات بدول جنوب القارة السمراء على غرار النيجر ونيجريا وتمبكتو  ومالي وغيرها، كما عمل مع فريقه بحثه  على إقامة فهرسة شاملة  وإحصاء ومسح  لخزائن المخطوطات بدول الجوار الإفريقي، حيث تشجموا وعثاء السفر متنقلين بين دول إفريقيا السابق ذكرهم، ليُجْمَع هذا الجهد في كتاب متاح للطلبة والباحثين، ولم يتوقف المخبر عند هذا الحد بل أنشأ بوابة المخطوطات الجزائرية الإلكترونية وفي مشروعها فهرسة أزيد من  30 ألف مخطوط  من داخل الجزائر وخارجها مع خارطة للمواقع وأماكن خزائنها ونشرها مستقبلا في 12 مجلدا، وقد أُطْلقت البوابة سنة 2019م، بمناسبة انعقاد الملتقى الدولي الرابع للمخطوط، وتعد سابقة تاريخية في دنيا المخطوط الجزائري خاصة والإفريقي القاري عموما.
نعم كل هذه الجهود التي تستحق صبرا وحرسا وأناة غرضها حفظ التراث المعرفي الجزائري وما دوّنه الأجداد والعلماء على مر العصور وصونه من الإندثار، ومحاولة إشعال مابقي منها من جذوة، وهذا  هو الوفاء بعينه، وأمثال الأستاذ أحمد جعفري وفريق بحثه المتمرسين من حماة المخطوط إلا كما قال المفكر الراحل عبد الرحمن الكوكبي ( مابال الزمان، يضنُّ علينا برجال ينبهون الناس ويرفعون الإلتباس، ويفكرون بحزم، ويعملون بعزم، ولاينفكون حتى ينالوا مايقصدون.)

مبروكي محمد

شارك المقال ♥
الصورة الافتراضية
محمد مبروكي
كاتب مهتم بالشأن المحلي

اترك ردّاً